نهي سرحان تكتب: أبناء السرعة.. لماذا أصبح الصبر تحديًا كبيرًا؟
نهي سرحان تكتب: أبناء السرعة.. كيف نعلّمهم الصبر؟
بقلم | نهي سرحان
كثيرًا ما نسمع من الآباء والأمهات عبارات من قبيل: «أبناؤنا يريدون كل شيء بسرعة»، يريدون النجاح في أقرب وقت، والعمل سريعًا، والاستقلال مبكرًا، وتحقيق أحلامهم دون انتظار طويل. وحين تتأخر النتائج، قد يتسلل إليهم الإحباط، وكأن الطريق الذي يسلكونه لم يعد يستحق الاستمرار.
لكن، هل يعني ذلك أن هذا الجيل فقد القدرة على الصبر؟ أم أن المسألة أعمق من مجرد رفض الانتظار؟
الحقيقة أن أبناء اليوم نشأوا في عالم مختلف تمامًا؛ عالم أصبحت فيه السرعة جزءًا أساسيًا من تفاصيل الحياة. بضغطة زر يمكن الحصول على معلومة، أو التواصل مع شخص يبعد آلاف الكيلومترات، أو طلب احتياجات تصل إلى المنزل خلال وقت قصير. ومع الاعتياد على هذه السرعة، أصبح من الطبيعي أن يتوقع البعض أن تسير الحياة بالوتيرة نفسها.
غير أن الحياة لا تخضع دائمًا لمنطق السرعة.
فالتعلم يحتاج إلى وقت، والخبرة لا تُكتسب إلا بالتجربة، والثقة بالنفس تُبنى تدريجيًا، أما النجاح الحقيقي فغالبًا ما يمر بمحطات من المحاولة والتعثر والخطأ ثم إعادة المحاولة.

وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما يبدأ الإنسان في ربط سرعة تحقيق النتائج بقيمته الشخصية. فقد يخوض شاب تجربة لتحقيق هدف معين، ولا ينجح من المحاولة الأولى، فيبدأ في الشك بقدراته، أو يعتقد أن الآخرين أكثر منه نجاحًا، ومع استمرار المقارنة قد يتحول الإحباط المؤقت إلى صورة سلبية عن الذات.
وهنا يظهر الدور الحقيقي للأسرة.
فأحيانًا نرغب في رؤية أبنائنا ناجحين إلى درجة تجعلهم يشعرون بأن الخطأ ممنوع، وأن التأخر عن الآخرين يعني الفشل. نحتفل بالنتيجة، لكننا لا نتوقف بالقدر الكافي أمام الجهد الذي بُذل للوصول إليها، ونفرح بالنجاح، بينما لا نعطي الفشل المساحة التي يستحقها باعتباره تجربة مهمة يمكن أن نتعلم منها.
الابن لا يحتاج دائمًا إلى من يقدم له الحلول الجاهزة، بقدر حاجته إلى شخص يساعده على فهم ما حدث، ويشجعه على اكتشاف ما يمكن تغييره وتحسينه في المحاولة القادمة.
ولا يمكن تجاهل تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في هذه الأزمة. فنحن نشاهد نجاحات الآخرين، لكننا نادرًا ما نرى السنوات التي سبقت هذا النجاح، ولا نرى المحاولات الفاشلة، أو لحظات التردد والانكسار، أو الطريق الطويل الذي قطعه صاحبه قبل أن يصل إلى الصورة التي تظهر أمامنا.
نرى النتيجة النهائية فقط، ثم نقارنها ببدايتنا، وهذه من أكثر المقارنات ظلمًا للإنسان.
لذلك، نحن بحاجة إلى أن نعلّم أبناءنا أن لكل شيء وقته، وأن تأخر الوصول لا يعني الفشل، وأن تغيير الطريق لا يعني بالضرورة ضياع المستقبل. من حق هذا الجيل أن يحلم ويطمح ويسعى إلى حياة أفضل، لكن عليه أن يدرك أن الطموح لا يعني الاستعجال، وأن النجاح ليس سباقًا مع الآخرين.
ليس مطلوبًا من الإنسان أن يحقق كل أحلامه في وقت واحد، ولا أن تكون حياته مكتملة في عمر محدد. فهناك أشياء لا تأتي إلا بعد سنوات من المحاولة، وأخرى لا ندرك قيمتها الحقيقية إلا عندما نصل إلى مرحلة من النضج والاستعداد تجعلنا قادرين على تقديرها.
إن مسؤوليتنا كآباء ومربين ومجتمع ليست أن نطفئ في أبنائنا رغبة النجاح، وإنما أن نساعدهم على فهم الطريق إليه؛ أن نعلّمهم الصبر دون أن نقتل الطموح، وأن ندرّبهم على تقبل التعثر دون أن يفقدوا ثقتهم بأنفسهم، وأن نمنحهم القدرة على الاستمرار حتى عندما لا تأتي النتائج بالسرعة التي يتمنونها.
ففي زمن أصبحت فيه الأشياء أكثر سرعة من أي وقت مضى، ربما تكون القدرة على الانتظار، وإعادة المحاولة، وتحمل التعثر، والاستمرار رغم تأخر النتائج، من أهم المهارات التي يحتاج إليها أبناؤنا اليوم.







